الـحــريــة لــلــمعتـقـلـيـن في مصـر
منبر لضحايا الاعتقال في مصر

:: أين حقوق أبناء مصر من المعتقلين السابقين؟



 كتب  ضياء رشوان

مرة أخري نعاود الحديث عن الشؤون المصرية الداخلية بعد أن تركز الاهتمام كله خلال الأسابيع السابقة علي ما كان يجري في لبنان الشقيق من عدوان إسرائيلي غاشم ومقاومة لبنانية باسلة بقيادة حزب الله، انتهيا إلي هذا النصر الذي طالما اشتقنا إليه ولا ينازعنا في حقيقته اليوم سوي نفر قليل من أبناء جلدتنا يصدرون في ذلك عن دوافع مختلفة، ولأن تلك الشؤون الداخلية المصرية كالعادة معظمها لا يثير سوي النقد، وفي أحيان كثيرة الحزن والأسي، كحادثة أو جريمة اصطدام القطارين الأخيرة، فلا مهرب اليوم من أن نتطرق إلي أحد تلك الشؤون - المحزنة - الذي لا تسلط عليه أضواء كافية تتناسب مع أهميته.

والقضية هنا تتعلق بهذا القطاع من شباب مصر الذين انتموا في فترة الثمانينيات والتسعينيات إلي كل من الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد، وتورط بعض منهم في ممارسات العنف والإرهاب التي اتبعتها الجماعتان خلال تلك الفترة، بما ترتب عليه الحكم علي نفر قليل منهم بالسجن لفترات مختلفة في حين اعتقل آلاف آخرون بموجب قانون الطوارئ، وظلت الفئتان في غيابات السجون لسنوات طويلة كانت بالنسبة لهم هي مرحلة شبابهم كلها، حتي أعلنوا خلال السنوات التسع الماضية تراجعهم الكامل والنهائي عن كل أفكار العنف والتطرف، وعلي الرغم من أن سياسة الإفراج عن المعتقلين من هؤلاء قد سارت بصورة جيدة خلال الأعوام السبعة الماضية بما أسفر عن خروج الغالبية الساحقة من أعضاء الجماعة الإسلامية وبقاء مئات قليلة ينتظرون دورهم، فإن معظم المعتقلين من المنتمين لجماعة الجهاد لا يزالون في انتظار البدء في عملية الإفراج المتتابع عنهم،وهو أمر لا يجب التأخير فيه وبخاصة أن غالبيتهم الساحقة قد أيدت مبادرة وقف العنف نهائياً وهم الآن في طور الانتهاء من وضع الأسس الشرعية لهذا الوقف ولمراجعة أفكارهم الجهادية العنيفة القديمة.

وغير الضرورة العاجلة للإفراج عمن تبقي من المعتقلين من أبناء مصر المنتمين للجماعة الإسلامية والجهاد، فإن خبرة المفرج عنهم من الجماعة الأولي خلال السنوات الماضية تؤكد أن الإفراج وحده، علي الرغم من أولويته وأهميته القصوي، ليس هو نهاية رحلة العذاب والمعاناة التي عاشها هذا القطاع من أبناء مصر العائدين إليها بعد طول غياب. فقد خرج هؤلاء بعد سنوات السجن الطويلة ليجدوا أنفسهم أمام عالم لم يألفوه، وتغيرات حادة ألمت بأسرهم وأقاربهم، ومطالب حياة يومية لا مهرب لهم من مواجهتها، فالغالبية الساحقة منهم دخلوا السجون والمعتقلات وهم في بداية العشرينيات من أعمارهم حيث كانوا طلاباً في مدارس ومعاهد وكليات لم يكملوا دراستهم فيها بعد، إلا أنهم استطاعوا أن يفعلوا ذلك أو يحصلوا علي شهادات أخري إضافية أثناء فترات السجن والاعتقال، كذلك ففي نفس تلك الفترات حصل البعض الآخر منهم علي خبرات وتدريبات فنية ومهنية حسبما تجري أنظمة السجون المصرية، بما أكسبهم مهارات عملية لم تكن لهم قبل دخولهم إليها. وبالرغم من كل ذلك فلا تزال المشكلة الكبري لهؤلاء المفرج عنهم هي أن يجدوا عملاً كريماً يتناسب مع تلك المؤهلات الدراسية أو هذه الخبرات العملية بما يحفظ لهم ولأسرهم الحد الأدني من الدخل الذي يحفظ لهم بدوره الحد الأدني الإنساني من متطلبات الحياة.

إن أوضاعاً إنسانية شديدة البؤس يعيشها اليوم غالبية هؤلاء المعتقلين السابقين بسبب هذا الافتقاد لأدني حقوقهم الإنسانية وهو حق العمل الشريف، وهو أمر تقع مسؤوليته الرئيسية علي عاتق المجتمع كله، وفي مقدمته الدولة التي تناط بها دوماً وظيفة رعاية جميع مواطنيها. والدعوة هنا إلي أن تتخذ الدولة ما يجب عليها اتخاذه من قرارات وإجراءات عاجلة لحل تلك المشكلة الجوهرية لهؤلاء الشباب لا تقوم فقط علي وظيفتها السابقة الإشارة إليها، بل أيضاً علي حق هؤلاء الشباب عليها في أن تعوضهم عن عذابات كل تلك السنوات الطويلة من السجن والاعتقال، وبخاصة هؤلاء الذين لم تصدر ضدهم أي أحكام قضائية. فقد كانت تلك السنوات كافية لأن يسدد هؤلاء بها ثمن ما ارتكبه بعضهم من أفعال إجرامية وما اعتنقه الآخرون من أفكار متطرفة، وآن للدولة أن تسدد لهم ثمن ما عانوه من عذابات في سجونها ومعتقلاتها لسنوات طويلة، وإلي جانب ذلك الدور الرئيسي للدولة في حل تلك المشكلة الجوهرية لهؤلاء الشباب والتي تمثل المدخل الوحيد لدمجهم الحقيقي في المجتمع، فلا شك أن هناك دوراً مكملاً للمجتمع علي نفس الصعيد لابد أن تضطلع به طبقة رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني عبر توفير أكبر قدر من فرص التوظيف والتشغيل لهؤلاء العائدين إلي بر مصر من أبنائها حتي لا تضطرهم ضغوط الحياة الوعرة التي لا ترحم إلي الغياب عنها من جديد بصور أخري قد تكون أكثر صعوبة وقسوة عليهم وعليها.
 
جريدة المصري اليوم 28 - 8 - 2006

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية